بقلم: الدكتور شافعي يوسف عمر
الرئيس التنفيذي – مركز بريلينس للدراسات والأبحاث (BRCsom)
مقدمة: من حادثة مطار الخرطوم إلى معادلة الصراع الإقليمي
يمثل الهجوم على مطار الخرطوم نقطة تحول مفصلية في مسار الأزمة السودانية، إذ لم يعد بالإمكان توصيف ما يجري باعتباره نزاعاً داخلياً تقليدياً. طبيعة العملية، ودقة استهدافها لمنشأة سيادية حساسة، وتوقيتها ضمن سياق تصعيد متدرج، كلها مؤشرات تدفع نحو قراءة أعمق تعتبر أن السودان دخل فعلياً مرحلة الصراع المركب متعدد الأطراف.
هذا النمط من العمليات لا يُدار فقط من داخل الجغرافيا الوطنية، بل يتطلب بنية دعم لوجستي واستخباراتي عابر للحدود، ما يضع الأزمة في إطار إقليمي واضح، حيث تتداخل حسابات النفوذ مع هشاشة الداخل.
إثيوبيا وإعادة تشكيل التوازنات
في هذا السياق، تبرز إثيوبيا كفاعل رئيسي في معادلة الضغط الجيوسياسي على السودان. القراءة الاستراتيجية تشير إلى أن استمرار حالة عدم الاستقرار في السودان يحقق مكاسب غير مباشرة لأديس أبابا، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بملف مياه النيل.
السودان الموحد والمستقر يمثل ثقلاً موازناً في هذه المعادلة، بينما يمنح تفككه أو إضعافه مساحة أوسع لإعادة توزيع النفوذ. ومن هنا، يصبح أي تداخل غير مباشر في المشهد السوداني جزءاً من صراع أوسع على موازين القوة في الإقليم.
الحرب غير المتكافئة وصمود الدولة
الواقع الميداني في السودان يعكس نموذجاً كلاسيكياً لما يُعرف بالحروب غير المتكافئة، حيث تواجه الدولة قوى مسلحة تعتمد على المرونة والانتشار، في مقابل مؤسسات نظامية تعمل على حماية البنية السيادية.
ورغم تعقيد هذا النمط من الصراع، فإن العامل الحاسم يبقى في قدرة الدولة على الحفاظ على مراكزها الحيوية ومؤسساتها الأساسية. التجارب الإقليمية تؤكد أن الدولة التي تحافظ على تماسك مؤسساتها تظل قادرة على استعادة التوازن، حتى في أصعب الظروف.
“ شعب واحدة، جيش واحد”: من شعار إلى معادلة بقاء
في هذا الإطار، يكتسب الشعار المتداول داخل السودان – “ شعب واحدة، جيش واحد” – بعداً يتجاوز التعبئة الرمزية، ليصبح تعبيراً عن معادلة وجودية.
فالتجارب في الصومال وليبيا واليمن أظهرت بوضوح أن غياب المؤسسة العسكرية الموحدة يفتح الباب أمام تعدد مراكز القوة، وهو ما يقود تدريجياً إلى تفكك الدولة وتحولها إلى جغرافيا نزاع دائم.
الصومال: تجربة تحذيرية لا يجب تكرارها
تقدم الحالة الصومالية مثالاً واضحاً على كيف يمكن أن تتحول الأزمات الداخلية، في ظل تدخلات خارجية، إلى حالة تفكك طويل الأمد.
تفكيك الدولة لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر مسار تدريجي يبدأ بإضعاف المركز، ثم يتطور إلى تعدد الفاعلين المسلحين، وينتهي بترسيخ كيانات الأمر الواقع. هذه الديناميكيات نفسها تظهر اليوم، بدرجات متفاوتة، في الحالة السودانية.
السودان في قلب صراع إقليمي أوسع
لا يمكن عزل ما يجري في السودان عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع. فالقرن الأفريقي ومنطقة الساحل يشهدان مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى، تتداخل فيها اعتبارات الموارد، والممرات الاستراتيجية، والنفوذ السياسي.
هذا الواقع يجعل من السودان نقطة ارتكاز في معادلة إقليمية معقدة، حيث يصبح استقراره أو عدمه عاملاً مؤثراً في توازنات تتجاوز حدوده الجغرافية.
الخلاصة: معركة الدولة في زمن التحولات
السودان اليوم أمام مفترق طرق واضح: إما الحفاظ على تماسك الدولة ومؤسساتها، أو الانزلاق نحو مسارات التفكك التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.
التجربة التاريخية تؤكد أن الدول لا تسقط فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل عندما تفقد قدرتها على إدارة توازناتها الداخلية. وفي المقابل، فإن تماسك المؤسسات، مدعوماً بوعي شعبي، يظل العامل الحاسم في تجاوز الأزمات.
في ظل التحولات الجارية، لم يعد الحفاظ على الدولة خياراً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية تمليها طبيعة المرحلة.
مع خالص التقدير،
الأستاذ الدكتور شافعي يوسف عمر
المدير العام للبحوث والاستشارات
Brilliance Research & Consultant (BRCsom)
www.brcsom.com


