من المستهلكين إلى المنتجين: الصحوة الإستراتيجية للأمة الإسلامية

من المستهلكين إلى المنتجين: الصحوة الإستراتيجية للأمة الإسلامية

من المستهلكين إلى المنتجين: الصحوة الإستراتيجية للأمة

 الإسلامية

بقلم: البروفيسور شافعي يوسف عمر
الرئيس التنفيذي لمجموعة بريكسوم (BRCSOM)
باحث في العلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية

٨ مارس ٢٠٢٦ – ١٩:٣٠ بتوقيت مكة المكرمة

الملخص التنفيذي

على مدى سبعة عقود تقريباً، اعتمد العالم العربي والإسلامي في بنيته الأمنية على تحالفات إستراتيجية مع القوى الغربية، انطلاقاً من تصور مفاده أن تلك التحالفات توفر ضمانات حقيقية للأمن والاستقرار. غير أن التجربة العملية خلال العقود الأخيرة أظهرت أن هذه العلاقة لم تكن قائمة على شراكة متكافئة، بل على صيغة أقرب إلى نظام وصاية غير معلن، يقوم على تبادل غير متوازن يتمثل في تدفق الثروات والموارد الإستراتيجية من جهة، مقابل وعود أمنية لم تُختبر بجدية إلا في لحظات الأزمات الكبرى.

لقد كشفت الأحداث المتلاحقة في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة أن الوجود العسكري الغربي في المنطقة لم يكن مصمماً بالدرجة الأولى لضمان السيادة الأمنية للدول المضيفة، بل لحماية شبكة المصالح الإستراتيجية الغربية في مجالات الطاقة والملاحة والتوازنات الإقليمية.

ومن أبرز الأمثلة التي يستشهد بها المحللون الإستراتيجيون الهجوم الذي استهدف منشآت بقيق وخريص النفطية في المملكة العربية السعودية عام ٢٠١٩، حيث تعرضت المنشآت الحيوية لهجوم صاروخي وطائرات مسيرة أدى إلى تعطيل جزء كبير من إنتاج النفط العالمي مؤقتاً. ورغم خطورة الحدث، اقتصر الرد الدولي على الإدانات السياسية، دون أن تظهر منظومات الدفاع الغربية الموجودة في المنطقة قدرة واضحة على منع الهجوم أو إحباطه.

وتكرر المشهد بصورة مشابهة في الهجوم الذي استهدف أبوظبي عام ٢٠٢٢ باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة أطلقتها جماعة الحوثي، حيث ترافقت ردود الفعل الدولية مع بيانات إدانة سياسية، في حين بقيت التساؤلات قائمة حول فعالية منظومات الدفاع الغربية المنتشرة في المنطقة.

وفي عام ٢٠٢٥، تعرضت العاصمة القطرية الدوحة لهجوم جوي مثير للجدل نسب إلى طائرات مقاتلة من طراز F-35، وهو حدث أثار نقاشاً واسعاً حول حدود الضمانات الأمنية التي توفرها القواعد العسكرية الأجنبية، خاصة في ظل وجود واحدة من أكبر القواعد الجوية الأمريكية في المنطقة.

كما شهدت الفترة بين عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٦ سلسلة من الاعتداءات على ناقلات النفط في الخليج وبحر العرب، إضافة إلى الهجمات المتكررة على الملاحة في البحر الأحمر، وهي أحداث عززت الانطباع بأن منظومة الأمن الإقليمي الحالية تعاني من اختلالات هيكلية.

هذه الوقائع مجتمعة أدت إلى بروز تساؤل إستراتيجي مهم: هل يمكن لدول المنطقة أن تعتمد بصورة دائمة على قوى خارجية لضمان أمنها القومي، في حين أن أولويات تلك القوى قد تختلف جذرياً عن أولويات الدول المضيفة؟

الاقتصاد السياسي للأمن في الخليج

في المقابل، تواصل دول الخليج العربي إنفاق مبالغ ضخمة على منظومات الدفاع الغربية، حيث تشير التقديرات إلى أن قيمة المشتريات الدفاعية السنوية من الولايات المتحدة وأوروبا تتراوح بين ١٠٠ و١٢٠ مليار دولار. ويأتي ذلك إضافة إلى الدور المركزي الذي تلعبه صادرات النفط الخليجية في الاقتصاد العالمي، والتي تتراوح قيمتها السنوية بين ٣٠٠ و٤٠٠ مليار دولار تقريباً.

كما تتحمل هذه الدول تكاليف مالية وسياسية غير مباشرة مرتبطة باستضافة القواعد العسكرية الأجنبية، فضلاً عن التكاليف المرتبطة بربط عملاتها بالدولار الأمريكي، وهو ما يعني عملياً التخلي عن جزء مهم من السيادة النقدية.

في المقابل، فإن ما تحصل عليه هذه الدول يتمثل في مجموعة من الترتيبات الأمنية غير المكتوبة، إضافة إلى الحصول على أنظمة تسليح متقدمة، إلا أن استخدام هذه الأنظمة غالباً ما يخضع لقيود سياسية وتقنية مختلفة، كما أن نقل التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة يظل محدوداً للغاية.

القيود التقنية على منظومات السلاح

توضح التجربة العملية أن امتلاك المعدات العسكرية المتقدمة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة الكاملة على استخدامها بشكل مستقل. فالكثير من الأنظمة الدفاعية الحديثة تعتمد على شبكات معلوماتية وأنظمة تشغيل وصيانة مرتبطة بالشركات المصنعة أو بالدول المنتجة.

كما أن بعض الأنظمة الدفاعية الجوية تتطلب موافقات تشغيلية أو دعماً تقنياً خارجياً في حالات معينة، بينما تعتمد الذخائر الذكية على شبكات بيانات معقدة قد تكون خارج السيطرة الكاملة للدول المستخدمة.

هذه القيود مجتمعة تعني أن عدداً من الدول النامية أصبح مستهلكاً للتكنولوجيا الدفاعية دون أن يمتلك القدرة الكاملة على إنتاجها أو تطويرها محلياً.

الازدواجية في النظام الدولي

تظهر مسألة الانتشار النووي مثالاً واضحاً على التباين في المعايير الدولية. فبينما تمتلك إسرائيل ترسانة نووية غير معلنة دون أن تخضع لأي نظام تفتيش دولي رسمي، تواجه برامج نووية أخرى في العالم الإسلامي قيوداً وضغوطاً سياسية واقتصادية كبيرة، حتى عندما تكون تلك البرامج ذات طابع مدني.

كما تعرضت دول مثل باكستان لعقوبات دولية طويلة بعد تطويرها قدراتها النووية، قبل أن يتم قبولها تدريجياً كقوة نووية قائمة.

هذا التباين في المعايير يثير تساؤلات واسعة حول طبيعة النظام الدولي الحالي، ومدى حياديته في التعامل مع مختلف الدول.

خطاب حقوق الإنسان والسياسة الدولية

شهدت العقود الأخيرة سلسلة من التدخلات العسكرية والسياسية في عدد من الدول الإسلامية تحت شعارات متعددة، من بينها نشر الديمقراطية أو حماية المدنيين أو دعم حقوق الإنسان.

فقد شهد العراق عام ٢٠٠٣ غزواً عسكرياً أدى إلى انهيار الدولة ومقتل مئات الآلاف، بينما أدى تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا عام ٢٠١١ إلى انهيار مؤسسات الدولة ودخول البلاد في مرحلة طويلة من الفوضى السياسية.

كما شهدت سوريا حرباً طويلة منذ عام ٢٠١١، في حين لا يزال اليمن يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ عام ٢٠١٥.

هذه الوقائع أدت إلى تنامي الاعتقاد لدى العديد من الباحثين بأن الخطاب الإنساني في السياسة الدولية كثيراً ما يتداخل مع الحسابات الجيوسياسية.

التحولات في البيئة الإستراتيجية العالمية

في ظل هذه التطورات، بدأت تظهر نقاشات متزايدة حول إمكانية بناء أطر تعاون إقليمية جديدة تقوم على تعزيز القدرات الذاتية للدول الإسلامية.

ويشير بعض المحللين إلى إمكانية ظهور نواة إستراتيجية ثلاثية تجمع بين باكستان والسعودية وتركيا، حيث تمتلك كل دولة من هذه الدول مجموعة مختلفة من الأصول الإستراتيجية، تشمل القدرات العسكرية والاقتصادية والصناعية.

فباكستان تمتلك خبرة عسكرية كبيرة وقدرات ردع إستراتيجية، بينما تمتلك المملكة العربية السعودية ثقلاً اقتصادياً ومالياً كبيراً، في حين طورت تركيا خلال العقدين الماضيين قاعدة صناعية دفاعية متقدمة نسبياً.

وفي حال تم دمج هذه القدرات ضمن إطار تعاون إستراتيجي أوسع، فقد يشكل ذلك أحد النماذج الجديدة للتعاون الأمني في العالم الإسلامي.

دور بريكس في النظام الدولي الجديد

بالتوازي مع ذلك، يشهد النظام الدولي صعود تكتلات اقتصادية جديدة مثل مجموعة بريكس، التي تضم عدداً من الاقتصادات الصاعدة الكبرى. ويتميز هذا التكتل بتركيزه على التعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة، مع قدر أقل من الشروط السياسية المرتبطة بالإصلاحات الداخلية.

كما بدأت بعض الدول الأعضاء في مناقشة إمكانية توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة الدولية، وهو ما قد يقلل تدريجياً من الاعتماد الحصري على الدولار الأمريكي في النظام المالي العالمي.

وقد أبدت عدة دول إسلامية اهتماماً متزايداً بالتعاون مع هذا التكتل، سواء من خلال العضوية المباشرة أو عبر آليات الشراكة الاقتصادية.

الصومال في المعادلة الجيوسياسية

من منظور القرن الأفريقي، يمثل الصومال موقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية نظراً لامتلاكه أطول ساحل في أفريقيا بطول يقارب ٣٣٣٣ كيلومتراً، إضافة إلى موقعه الإستراتيجي بالقرب من مدخل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

كما يتمتع الصومال بروابط تاريخية وثقافية عميقة مع العالمين العربي والإسلامي، وهو ما يجعله جزءاً مهماً من أي تصور مستقبلي للأمن الإقليمي في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

الخلاصة

تشير التحولات الجارية في النظام الدولي إلى أن العالم يتجه تدريجياً نحو مرحلة من التعددية القطبية، وهو ما يفتح المجال أمام الدول لإعادة تقييم تحالفاتها الإستراتيجية وبناء نماذج جديدة للتعاون الدولي.

بالنسبة للعالم الإسلامي، قد تمثل هذه المرحلة فرصة لإعادة التفكير في منظومة الأمن الإقليمي، وتعزيز القدرات الذاتية في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والدفاع.

إن الانتقال من موقع المستهلك للأمن إلى موقع المنتج له لن يكون عملية سريعة أو سهلة، لكنه قد يشكل أحد أهم التحديات الإستراتيجية التي ستواجه الدول الإسلامية خلال العقود القادمة.

مذكرة إستراتيجية: أولويات العمل العاجلة

تتمثل أبرز الأولويات الإستراتيجية التي يناقشها الباحثون وصناع القرار في العالم الإسلامي في عدد من الخطوات الأساسية، من بينها تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الرئيسية في العالم الإسلامي، وتطوير قواعد صناعية دفاعية مشتركة، وتوسيع التعاون الاقتصادي والمالي بين الاقتصادات الصاعدة.

كما تبرز الحاجة إلى إنشاء آليات استخباراتية مشتركة لتقييم التهديدات الأمنية، إضافة إلى إطلاق مبادرات دبلوماسية وإعلامية تشرح أهداف التعاون الإستراتيجي الجديد.

وفي الوقت نفسه، يتطلب الأمر تنسيقاً أكبر في سياسات الطاقة والإنتاج، فضلاً عن تطوير مواقف سياسية موحدة تجاه القضايا الإقليمية الكبرى.

لقد كان العقدان الماضيان زمن تحليل وتشخيص للأزمات. أما المرحلة القادمة، فقد تكون مرحلة العمل الإستراتيجي وإعادة بناء موازين القوة في النظام الدولي.

مع خالص التقدير
الأستاذ الدكتور شافعي يوسف عمر
المدير العام للبحوث والاستشارات
Brilliance Research & Consultant (BRCsom)
www.brcsom.com

Add a comment

Scroll to Top